صديق الحسيني القنوجي البخاري
281
فتح البيان في مقاصد القرآن
أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم وقيل هو إظهار أمر المنافقين واخبار النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بما أسروا في أنفسهم ، وأمره بقتلهم ، وقيل هو الجزية التي جعلها اللّه عليهم وقيل الخصب والسعة للمسلمين . فَيُصْبِحُوا أي المنافقون عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من النفاق الحامل لهم على الموالاة نادِمِينَ على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيلوها وانكشاف خلافها . وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا كلام مبتدأ مسوق لبيان ما وقع من هذه الطائفة ، أي يقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود ومشيرين إلى المنافقين وقت إظهار اللّه تعالى نفاقهم أَ هؤُلاءِ الهمزة للاستفهام التعجبي الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ بالمناصرة والمعاضدة في القتال أو يقول بعض المؤمنون لبعض مشيرين إلى المنافقين ، وهذه الجملة مفسرة للقول ، وجهد الأيمان أغلظها . حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي بطلت ، وهو من تمام قول المؤمنين ، واستظهره أبو حيان وبه قال الزمخشري أو جملة مستأنفة والقائل هو اللّه سبحانه والأعمال هي التي عملوها في الموالاة أو كل عمل يعملونه ، وعليه جمهور المفسرين فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ في الدنيا بافتضاحهم ، وفي الآخرة بإحباط ثواب أعمالهم وحصلوا بالعذاب الدائم المقيم . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 54 إلى 55 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 54 ) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 55 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ هذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر ، وذلك نوع من أنواع الردة ، ذكر صاحب الكشاف أن إحدى عشرة فرقة من العرب ارتدت ثلاث في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار ، وبنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب ، وبنو أسد وهم قوم طلحة بن خويلد . وارتد سبع فرق في خلافة أبي بكر الصديق وهم فزارة قوم عيينة بن حصن الفزاري ، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري ، وبنو سليم قوم الفجاة بن عبد ياليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن بريدة وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر ، وكندة قوم الأشعث بن قيس الكندي ، وبنو بكر بن وائل قوم الخطمي بن يزيد ، فكفى اللّه أمرهم على يد أبي بكر الصديق ، وفرقة واحدة ارتدت في زمن خلافة عمر بن الخطاب وهم غسّان قوم جبلة بن الأيهم ، فكفى اللّه أمرهم على يد عمر رضي اللّه عنه .